مقالات مختارة

لبنان 2016: أتذكرون من أنا؟ الياس قطار صدى البلد

ليس على الفتى الأغرّ أن يناشدَ وطنه لبنان سائلًا إياه: أتذكر من أنا؟ بل على وطن النجوم الذي بلغ عامه الـ2016 أن يطرح هذا السؤال على شعبه الذي نسي من هو، وعاد ليتذكّر حقيقة ما كان عليه وما يجب أن يكون عليه في خواتيم العام الذي يودّعنا ونودّعه غدًا. لبنان السياسي في العام 2016 يزرع الحيرة في نفوس كلّ متجرّئ على تقييمه وتقويمه مسارًا ومصيرًا وسط إنجازاتٍ وانكساراتٍ سياسية وأمنية. فمن مطلعٍ مرير الى منتصفٍ يعجّ بالأمل والوعود وبشائر الحلحلة الى خاتمةٍ ما هي إلا بداية عهدٍ رئاسي جديد بعد طول فراغ وحكومة تصبو الى استعادة ثقة شعبها.

كانون الثاني: كأسٌ مختلطة
أن يستهلّ العام 2016 أول أيامه بوفاة الوزير الأسبق فؤاد بطرس لهو مؤشرٌ كفيلٌ برسم الصورة العامة عن مطلع عامٍ غير مبشّر. بدايةٌ سوداء لشهر أسود مخروقٍ بأمل وحيد تجسّد في تبني حزب القوات ترشيح العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية رسميًا. أما قبل ذلك وبعده فردٌّ قاسٍ من حزب الله على اغتيال الشهيد سمير القنطار. ومن إرهاب إسرائيل الى إرهاب “داعش” الذي “اصطاد” شهيدًا لفرع المعلومات في عرسال. إرهابٌ رفض وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل في جامعة الدول العربية إلصاقه بشريك الوطن حزب الله. وفي وقتٍ كان ميشال سماحة يغرّد حرًا بكفالة 150 مليون ليرة، كان التيار الوطني الحرّ يخوض تجربة انتخاباتٍ داخلية رائدة.

شباط: انفجارٌ من نوعٍ آخر
بسيطًا ومختصرًا بدا شهر شباط. هو شهرُ الانفجارات السياسية غير المنتظرة وعلى رأسها استقالة وزير العدل (السابق) أشرف ريفي من الحكومة احتجاجًا على ملفات جمة أبرزها عدم تحويل ملف ميشال سماحة الى المجلس العدلي، وهو ما استولد أزمة سياسية بينه وبين الرئيس سعد الحريري الذي تنصّل من مواقفه “الشخصية” التي تمثّله وحده. وحدها أزمة تحرير 5 تشيكيين كانوا مخطوفين في لبنان خرقت سوداوية المشهد وبعدها إنجازٌ جوهريّ للجيش اللبناني تجسّد في توقيف مسؤول كبير في تنظيم “داعش” هو أحمد أمون.

آذار: شرعية… لاشرعيّة
عدا إنجازات الجيش والأمن العام في جرود الإرهابيين، عكس شهر آذار هدوءًا سياسيًا رغم أنه كان غارقًا في الشغور ويقترب من تسجيل عامه الثاني، ولكن قبل ذلك أزمة إنترنت غير شرعي بدت تطفو على سطح التخبّط الذي غرقت فيه البلاد، مقابل شرعيةٍ يتيمة أقدم عليها وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق بدعوته الهيئات الناخبة للانتخابات البلدية.

نيسان: زمنُ الحوار
هو شهرُ الحوار بامتياز رغم أن نتائجه بقيت باهتة. حوارٌ وطني برعاية الرئيس نبيه بري انطلق في حضور الجميع، سبقته زيارة لافتة من الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند الى لبنان حيث كان الملف الرئاسي في صدارة البحث. ولكن قبل ذلك، كما خرج ميشال سماحة من السجن أمّه مجددًا وهذه المرة بحكمٍ يبيح سجنه 13 عامًا.

أيار: بروفا انتخابيّة
إحتضن شهر أيار، شهر الشغور التاريخي، انتخاباتٍ بلدية انطلقت بنجاحٍ وأفرزت فوزًا للتحالف المسيحي الناشئ (التيار والقوات) في بلداتٍ عدة مقابل إخفاقاتٍ في مناطق أخرى. وقبل أن يطفئ الشغور شمعته الثانية، كان حزب الله يخسر أحد قياديّيه مصطفى بدر الدين المطلوب من محكمة لاهاي الدولية. وفيما كانت أزمة النفايات تجتاح الشوارع وسط تخبّط سياسي وتقاذف مسؤوليات، كان النائب أمل أبو زيد يكسر حكاية اللاشرعية في المجلس بانتخابه نائبًا شرعيًا وحيدًا في انتخابات جزين الفرعية، على إيقاع انطلاق الامتحانات الرسمية وما سبقها من فضائح سارع الوزير الياس بو صعب الى إصلاحها.

حزيران: استقالة “تمايزيّة”
منتصف العام 2016. أزمة ناشئة بين المصارف المحلية وحزب الله بعد استجابة كثيرٍ منها لقانون العقوبات الأميركية المفروضة على الحزب، ما تُرجِم في إقفال قرابة 100 حساب تابع له، تزامنًا مع تفجير هزّ بنك لبنان والمهجر في فردان. ومقابل هذه الصفعة الأمنية، أخرى سياسية وجّهها الكتائب الى حكومة الرئيس تمام سلام بإعلان انسحاب وزراء بكفيا منها، ليقتصر القرار على آلان حكيم وليبقى سجعان قزي وزيرًا مفصولًا من حزبه ورمزي جريج وزيرًا متنصّلًا من العباءة الكتائبية. وعقب هذه الصفعة السياسية أخرى أمنية في القاع النازفة.

تموز: أملٌ إنساني
هو منتصفُ الأمل. أمل كلّ من بلغ عامه الـ64 بأن يلقى الاستشفاء المجاني بقرار من الوزير (السابق) وائل أبو فاعور. بداية إنسانية مبشّرة عزّزتها عمليات المداهمة الأمنية والتوقيفات المتعاقبة للإرهابيين، وكرّسها إخلاء سبيل النائب السابق حسن يعقوب على خلفية اتهامه بالضلوع في اختطاف نجل معمر القذافي هنيبعل. في هذا الوقت ملفان لم يتزحزحا من الصورة العامة: استمرار فرنجية في ترشُّحه رغم تهاوي مؤشرات حظوظه، واستمرار أزمة النفايات على تعقيداتها.

آب: وعدٌ صادق
عيدُ الجيش. عيدٌ آخر بلا رئيس وبلا استعراض مكتمل المعالم، ووعدٌ من القيادة بملاحقة الإرهابيين وتحصين لبنان منهم. وفيما كانت مخابرات الجيش تسجّل إنجازًا جديدًا بتوقيف رأسين آخرين من “داعش”، كان الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله يجدّد تمسّكه بترشيح العماد ميشال عون للرئاسة الأولى وسط وابلٍ من الإشاعات التي طالت الحزب وبُنِيت على تشكيكٍ بنواياه تجاه الرابية. وحده النائب وليد جنبلاط كان يلهو بتغريداته طوال العام الى أن سجّل له هذا الشهر تهديدًا من الإرهاب ليردّ: “نتّكل على القدر والله”.

أيلول: خريفٌ “بيئي”
خريف لبنان. توصيفٌ يترنّح بين صدقيّته وتلاشيه مع مؤشرات الحلحلة التي بدأت تتراءى للبنانيين رئاسيًا ويرتقي بها الإعلام عناوينَ رئيسة. خريفٌ انطلى على أزمة النفايات بعد إقفال الكتائب مكبّ برج حمود وعودة النفايات لتجتاح الشوارع بعد إيجاد مأويَين لها في برج حمود والكوستا برافا. كثرت الطروح وبقيت الصورة على حالها نفاياتيًا كما رئاسيًا في انتظار خطواتٍ ملموسة.

تشرين الأول: وداعًا للشغور
بعد النفايات تفّاح، وبعد الإرهاب جرائم فردية متنقلة بلغت عشقوت، وبعد الاستشهاد انتحار. أزماتٌ محا آثارها قرارٌ صادمٌ من الرئيس سعد الحريري حيث لم يعد الإبراء مستحيلًا. الحريري وبعد طول تكهّناتٍ يعلن ترشيح العماد عون لرئاسة الجمهورية رسميًا وسط انقسامٍ حادّ في تياره وقاعدته. طوى الحريري صفحة فرنجية ولم يطوِها الأخير فأعلن استمراره في ترشُّحه وكثر القيل والقال بينه وبين العونيين حدّ القطيعة والجفاء. أما خاتمة الشهر فبداية عهدٍ جديد انطلق مع انتخاب العماد ميشال عون في جلسة أشبه بالمسرحية أثمرت في خواتيمها رئيسًا جديدًا للجمهورية ومعه خطاب قسم لقي الثناء من الجميع حتى الخصوم.

تشرين الثاني: تكليفٌ سلس
بعد الرئاسة تكليفٌ للرئيس سعد الحريري بتشكيل الحكومة. طريقٌ وعرة خاضها الرجل بحثًا عن تشكيلته التي تلوّنت وتشعّبت أسماؤها ولم تبصر النور في هذا الشهر بالذات. أزمة حقائب وتصعيد وعرقلة، تمسُّك بري بحقائب محددة وبمنح حليفه فرنجية حقيبة وازنة. ولكن قبل كلّ ذلك كان القصر الجمهوري يتحوّل بين ليلةٍ وضحاها الى بيت الشعب الذي أمّه الآلاف لاستعادة أمجاد الماضي مع العماد المحبوب. موفدون عرب ودوليون في لبنان لتهنئة الرئيس، حركةٌ دافعة في اتجاه تشكيل سريع، دعواتٌ للرئيس لزياراتٍ في الخارج، واستقلالٌ يضجّ بمشهديةٍ شبه مكتملة في ظلّ وجود رئيسَي حكومة على المنصة الرسمية: مكلّف وتصريف أعمال.

كانون الأول: اكتمالُ صورة العهد
اكتمل العهد مع خواتيم العام. الرئيس سعد الحريري يشكّل حكومته الثلاثينية الجامعة قبل عيد الميلاد كما تمنى ووعد، وحزب الكتائب يستثني نفسه ويرفض حقيبة دولة فيتموضع في المعارضة وحيدًا. ميلادٌ حيويٌ وملوّن في قصر بعبدا الذي يشهد سوابق إنسانية مفاجئة للعاملين فيه حتى. لا عواصف سياسية بعد التأليف واستسلامٌ تامّ لعواصف من نوع آخر بطلتُها طبيعةٌ تذيّل عامًا انطلق أسود وانتصف رماديًا لينتهي أبيض.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى