اجتماعيات

المنطقة الاكثر فقراً

لطالما سلكت تلك الأزقّة المليئة بالظّلام وبالرّعب وبالأشياء الممنوعة(مخدّرات_تجارة غير مشروعة..) وكان كلّ همّي أن أرى أطفال تلك الأزقّة بمنأى عن كل ما يحضّره الكبار من ألاعيب، فكان سلاحي الوحيد آنذاك قلمي وكاميرا ملّت التصوير وتجسيد الصّور، لا بل تركها لتاريخ لن يوجِد لهؤلاء الأطفال حلّاً..فكانت الصّحافة أوّل من عرّفني بتلك الأزقّة(الشّوارع الضيّقة) وبقيت لأعوام أصف نفسي بالعدّاء في مكانه، أعدو ولكن لا أعدو لحلّ، كلّ ما كتبته وكل ما التقتطته عدسة الكاميرا سخيف جدّا أمام كمّ الفقر الهائل،والحاجة الماسّة لأن أفعل من أجل هؤلاء شيئا ما..
دخول الجمعية إلى المدرسة:هدفٌ لا بدّ منه
لم أترك لخاطري أو لعواطفي أو لسابق التّفكير والحكم أن يُصدر حكماً على كلّ طفل يأتي إلى مدرسة عمرها 40 عاماً من عمر دولة ما استاطعت حتّى الآن أن تعطي ما يستحقّة هؤلاء، لم أحكم عليهم بأنّهم لا يعرفون شيئا حتى دخلت المدرسة فتعرّفت على طاقمٍ تعليميّ كبير عدداً وعمراً،هرموا ولا يزالون لا ينكفّون عن العطاء،على الرّغم من كلمة قالتها لي مديرة المدرسة منذ اليوم الأوّل”كبروا وبطلت قادرة اضغط عليهم يشتغلوا او حتّى يفكروا بضمير”،الإدارة تريد نقلةً نوعيّة آمنت بأنّنا في الجمعيّة سنكون القيّمين على إنجازها.
الكلّ يسأل عن مرجعيّتي(مع من أعمل؟) حتّى الطلاّب أنفسهم،”مدام ليش انت بتحبينا معقول في مدام بتحبنا ما نحنا كسلانين” هذا ما قالته تلميذة الصّفّ السّادس لي في الحصة الأولى(مسرح) سؤال يعكس كمّ الأخطاء المرتكبة بحقّ طلاّب فقرهم ليس عيبا!
اليوم الأوّل في المدرسة
اعتدت أن يبدأ الدّوام عند السّاعة السّابعة والنّصف، هكذا فعلت، وصلت في التّوقيت نفسه إلى المدرسة دخلت إلى غرفة الإدارة فأبدت المديرة دهشتها بحضوري”ما صدقت إنك ترجعي تجي!وجاي قبل الجرس بنص ساعة ومحضرة كمان!” هكذا استقبلتني المديرة فأجبت بابتسامة ملؤها أمل بأن أفعل من أجل الطلاّب شيئا ما. لم أدخل صفوفا حتى آخر ساعة، دخلت فيها إلى الصّف الّذي يفترض أن يكون اسمه “الصّفّ الأوّل” فاكتشفت أن 2 من أصل 20 تلميذ يجيدون كتابة اسمهم والباقين لا يعرفون، فاتّضح لي بأن صفوف الرّوضة أولى وثانية لا يتعلّمون بل يقضون أوقاتهم في اللّعب داخل باحة مغلقة (جزء من ملعب الكبار) وهذا ما نتيجته عدم معرفة تلاميذ صفّ الاوّل لأيّ حرف من أحرف الهجاء.
هنا بدأت مهمّتي في العطاء واثباتي بأن ما من طفل في العالم يعجز عن الكتابة أو القراءة ومن أحرف الهجاء بدأت.

النّظام!
علامة التعجّب تلك لا تكفي لأصف لكم اللانظام المقترف في المدرسة، فلنبدأ من طاقم التعليم فكلّ معلّمة تفرض على المديرة رأيها في ما يخصّ توزيع حصصها “بدي برنامجي مثل ما كان السّنة الماضية أو بفل!” هذا ما قالته إحدى المعلّمات تاركةً صفّها ومغادرةً المدرسة.
أمّا الصّفوف، فلا يمكننا التّسليم بأن النظام قائم كان العام الماضي، الأسباب مجهولة بالنّسبة لي ولكن النّتائج نصب أعين الجميع! لا يعرف طلاّب الصّف الاوّل، الثّاني، الثّالث، الرّابع، الخامس، والسّادس أن دخول المعلّمة إلى الصّف يحتّم عليهم الوقوف احتراما أو الدخول إلى الحمام يستوجب إذناً، أو التكلم في الصّف يستوجب إذناً أيضاً أو العفو عند الخطأ أو حتى الشكر عند وجوب ذلك!
هذا النظام المفقود كان مادتي الأولى الّتي بدأت فيها منذ اليوم الاوّل لي في المدرسة ولاقى صف الاوّل تغيّرا واضحاً بعد أسبوعين!
ربّما بعضكم سيهمس بينه وبين نفسه بأن المكتوب ها هنا سلبيّ لا يعطينا الدّفع، أؤكّد لكلّ قارئ لكلماتي هذه بأنّ هذا (الواقع) المجسّد على الورقة هنا هو هدفنا جميعا وهدفي على وجه الخصوص وبأنّه دافع أكبر لأن استمرّ في العطاء لذلك وضعت مخطّطاً استراتيجيّاً لمشروع محو الاميّة(في زواريب البلد) لكي ابدأ من خلفيّة الأطفال(الاهل) واستمرّ حتى بعد نهاية العقد معكم في مسيرة لطالما حلمت أن أنجز فيها شيئا ما.
سحرمشموشي

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى