اخبار مهمة

مناهضة العنف الموجّه ضد النساء: بين التشريع والتطبيق نهلا ناصر الدين

سنتان وخمسة أشهر مرّت على إقرارالقانون رقم 293 (حماية النساء وسائر أفراد الأسرة من العنف الأسري)، وذلك بعد صراعٍ طويل، دام ما يقارب السبع سنوات بين المنظمات النسائية، ودولةٍ لم تأخذ من التأنيث إلا تاءه. فتمخّضت السلطة اللبنانية لسبع سنواتٍ ثم ولدت قانونا تغزوه الثغرات والتحديات التي لا زالت حتى اليوم مادةً للجدل الذي يرجو منه مثيروه التوصل الى تعديلات تضع النقاط على الحروف وتبعد شبح الاجتهاد القضائي في قضايا العنف الأسري الذي لا يأتي صائباً في كل فصوله.

لمناسبة مرور خمس سنوات على تأسيسها، نظمت “أبعاد” لقاء وطنياً حول “مناهضة العنف الموجّه ضد النساء والفتيات في لبنان: بين التشريع والتطبيق” ووضعت التدخلات القطاعية تحت المهجر، بحضور مديرة منظمة “أبعاد” غيدا عناني، رئيسة لجنة المرأة في نقابة المحامين أسمى داغر حمادة، الباحثة الدكتورة عزة شرارة بيضون، القاضي الياس ريشا قاضي الأمور المستعجلة في كسروان، العقيد إيلي أسمر رئيس قسم الأبحاث والدروس في قوى الأمن الداخلي، مستشار وزارة الشؤون الإجتماعية فهمي كرامي، والمحامية إقبال مراد دوغان رئيسة المجلس النسائي اللبناني ورئيسة لجنة الأسرة في نقابة المحامين في لبنان، وعدد من المحامين والصحافيين، ورجال الدين وهيئات المجتمع المدني.

نتائج الدراسة
تخلل اللقاء إطلاق نتائج دراسة “العنف الأسري رجال يتكلمون” للباحثة الدكتورة عزة شرارة بيضون، والتي كان من أبرزها: أن الأسر العنفية تختبر ضموراً في التواصل بين الزوجين، الأمر الذي أحدث تفاوتاً في إدراكات الطرفين. فالفئتان تعيشان زمنين مختلفين (النساء يعشن زمن العصر الراهن ويرغبن في التمتع بامتيازاته، والرجال المعنفون متشبثون بزمن جميل قوامه “رئاسة” ويلقون الدعم من المعتقدات الدينية والقوانين الأسرية المذهبية، كارهون لشيوع ثقافة المساواة وحقوق الانسان في الخطاب الراهن ومعادون لبعض مؤسسات الدولة والمجتمع). وإن عيش الزوجين في زمنين غير متطابقين في المكان نفسه، ينجم عنه تباعد في الإدراكات واختلاف في الأطر المرجعية وينجم عن ذلك تخاطب بمفردات متفاوتة. ومن هنا إن إرساء أسس للحوار السلمي بين الزوجين أو افراد الأسرة يقوم على التقريب بين الزمنين المذكورين والعمل على توحيد مفردات التخاطب بين الزوجين، ما هو من بعض التضمينات العلاج – النفسية أو التأهيلية الضرورية.
ويتوزع المعنفون حسب الدراسة على كل الفئات العمرية والطبقية والمناطقية والتعليمية والطائفية والمهنية، وهذه النتيجة كفيلة بجعل المتهمين من الرجال، متساوين أمام القضاء وعنصر قوى الأمن والمرشد الاجتماعي. ولا ينبغي وقوع المشكو إليهم تحت سطوة المعتقدات والأفكار الرائجة التي تنزه الأزواج من فئات معينة عن ممارسة العنف. وإن سلوك من هم في موقع تنفيذ الأحكام كقوى الأمن في المخافر والكتبة المكلفين إبلاغ القرارات مهم لإعطاء صورة مشرقة للعدالة. ومن الجيد خضوع هؤلاء جميعا لبروتوكولات تحدد لهم طرائق التعامل مع المتهمين والمدعيات. وتشير نتائج الدراسة إلى أن فترة التبليغ والإدعاء هي فترة حرجة بالنسبة للمرأة، وتقتضي وجوب اتخاذ الحذر والحيطة لأن التبليغ يدرك من جانب الجاني حياته لعقد الشراكة ويطلق المزيد من العنف. وهكذا يمسي القانون الذي يدّعي حماية النساء، بالنسبة للبعض، محرضاً على المزيد من العنف وأحيانا القتل. علماً أن هناك أهمية مضاعفة لحسن التطبيق إن لجهة حماية فعالة للزوجة الشاكية مضمونه من الدولة وأجهزتها الأمنية والاجتماعية، أو لجهة كبح حقيقي لعنف الجاني. ومن ناحية قانون العنف الأسري فتدرك المنظمات النسائية إن نجاح تطبيق القانون يوازي أهمية إقراره. وإن مواجهة المواقف السلبية تجاهه يعززها تطبيقا عادلا للأحكام الصادرة في إطاره. مع ضرورة تطوير مواكبة عمل القضاء عن كثب لإرساء قاعدة متينة لجعل القانون المدني المرجع النهائي لمعالجة العنف الأسري ضد النساء.

تحديات تطبيق القانون
وتحدثت مديرة منظمة “أبعاد” غيدا عناني عن المنظمة التي بدأت في العام 2011 برؤية، ركنها الأساسي نمذجة العمل المدني أو بعبارة أخرى تقديم نموذج مختلف بالعمل النسائي والنسوي المدني. فـ”قد تأسست أبعاد برؤية تحاول فيها تعديل وإصلاح ما يسمى المنظمة الذكورية أو الأبوية والتي تشكل القاعدة الأساسية لكافة أشكال التمييز ضد النساء والفتيات”.
ولفتت أسمى داغر حمادة رئيسة لجنة المرأة في نقابة المحامين إلى المخاطر والمعوقات التي تواجه تطبيق القانون 293 ومن أهمها: “العلاجات المطلقة للطوائف التي تعتبر نفسها المرجع الوحيد لكل ما يتعلق بالأسرة والممنوحة لها بموجب الدستور، المجتمع الذكوري الذي يبرر العنف ويشجع على ارتكابه. الموروث الثقافي الذي يمنع المعنفات من التبليغ ويجعلهن خاضعات لسلطة المعنفين. وعدم تجاوب السلطات لإنشاء جهاز أمن مختص بمواضيع العنف ضد المرأة كما يلزم”.
وقدم قاضي الأمور المستعجلة في كسروان الياس ريشا قراءة تحليلية في تطبيقات القانون، وسلط الضوء على العوائق والتحديات التي تواجه القضاة، ونذكر منها ما يقع على القاضي من تحدٍ كبير في كشف العنف المعنوي الذي تتعرض له المرأة، فالعنف الجسدي واضح، ولكن كشف العنف النفسي والمعنوي ما يحتاج لوجود مساعد اجتماعي عارف بالأمور الاسرية كونه حالة ذهنية أسرية يصعب التحقق منها. إضافة إلى تحدّي التأكد من حدوث الاغتصاب الزوجي في حال عدم وجود كدمات. وكذلك الأمر التأكد من وجود حالة العنف الاقتصادي. ويضع القاضي ريشا وضع الأولاد في حال وجدوا في قائمة التحديات نفسها أثناء اتخاذ الأحكام ما يتوجب معه ضرورة وجود معالج نفسي واجتماعي لجانب القاضي.

العنف والمجتمع المدني
وتكلّم العقيد إيلي أسمر رئيس قسم الأبحاث والدروس في قوى الأمن الداخلي عن دور قوى الأمن الداخلي في تأمين الحماية للنساء والفتيات من منظور المقاربة التنسيقية، وتشابك محاور القانون المختلفة وتقاطعها مع قوى الأمن الداخلي.
وعن دور منظمات المجتمع المدني النسائية في توحيد الجهود للقضاء على العنف ضد النساء والفتيات، تحدثت بدورها رئيسة المجلي النسائي اللبناني إقبال دوغان فقالت:” المجتمع المدني والجمعيات النسائية والمختصة بهذا الموضوع قد عملت على الحد من هذا العنف بوسائل عديدة منها التوعية على رفض العنف، التخطيط لتجريم العنف، مساندة النساء المعنفات، إنشاء ملاجئ للنساء المعنفات وأولادهن، والتعاون مع أجهزة الدولة والإعلام” ما يجعلها هي المحرك الأساسي لمكافحة العنف ضد المرأة وأسبابه” . وأشار مستشار وزارة الشؤون الإجتماعية فهمي كرامي، إلى الخطة الوطنية لوزارة الشؤون الإجتماعية لحماية النساء والأطفال في لبنان، والتي أقدمت عليها الوزارة “استجابةً لأزمة النزوح السوري، وللحاجة الوطنية لخطة ينتج عنها بناء وتفعيل منظومة حماية المرأة والطفل في لبنان بشقيها القانوني والاجتماعي. وللاستفادة من فرصة اهتمام المجتمع الدولي بتحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع اللبناني. إضافة إلى تفعيل دور وزارة الشؤون كمنسق وناظم لملف الحماية”.
كما وتخللت اللقاء شهادات حيّة من صاحبة حق/إمرأة مستفيدة من برنامج “الدار الآمن للنساء والفتيات” المعرضات للعنف، ورجل مستفيد من خدمات مركز الرجال الخاص بتأهيل الرجال ذوي السلوكيات العنيفة. وتمّ عرض وثائقي بعنوان “أهل الدار ” لتعريف الحضور على برنامج الدار الآمن للنساء والفتيات.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى