اخبار مهمة

روسيا تقّلب في دفاتر حافظ الأسد القديمة.. فماذا وجدت ؟ (ميرفت ملحم - محام بالاستئناف)

“نحن نسأل في بعض الأحيان هل المجتمع الدولي مهتم أو غير مهتم بلبنان، وهل يمكن ان يكون من البنود الاولى في جدول أعمال هذا المجتمع أو أن يكون هذا بعد الوصول الى التسوية في المناطق الاخرى والنزاعات الاخرى؟”

هي تساؤلات طرحها سفير روسيا في لبنان الكسندر زاسبكين في حديث له لدى تلبيته دعوة احد النواب اللبنانيين في دارته في منطقة حمانا، هي تساؤلات قد تكون بريئة في شكلها إلا أنه بالنظر إلى الجهة التي صدرت عنها لايمكن إلا والنظر فيها الى “ريالة” دب روسي مدرك – وهو المتحكم الاساسي باللعبة في المنطقة- بأن الورقة اللبنانية ليست متروكة من المجتمع الدولي وانما هي محبوسة في جيب عدد من الاطراف الاقليمية والدولية المؤثرة، للعب بها في مرحلة “ألفَت” الاخيرة لأوراق المنطقة.

في ذهنية المجتمع الدولي، قد تكون الورقة اللبنانية محبوسة في المرحلة الراهنة، والدول المعنية بالملف اللبناني “مطمئنة” الى المراوحة التي تتظلل بها القوى السياسية اللبنانية رابطة الإستقرار اللبناني بحبل “ربط النزاع” في ما بينها، إلا أن الحقيقة مغايرة لهذا الواقع، فما تمتكله الورقة اللبنانية من نقاط مؤثرة في واقع المنطقة لايمكن ترتيبها في موقع أخير في لائحة اولويات القوى المؤثرة، اقلّه لجهة اللاعب الروسي الذي يسعى الى “قش” ما أمكن من اوراق تدعم اقدام استراتجيته الجديدة للشرق الاوسط انطلاقًا من سوريا، فكيف اذا كانت هذه الورقة تؤمن له ضرب اكثر من عصفور بحجر واحد، كضرب وجود “حزب الله” الذي يشكل امتدادًا للوجود الايراني وتكريسًا لدوره في المنطقة على حسابه من خلال لبنان وجواره السوري، وحماية الوجود المسيحيي الذي يشكل لبنان نقطة الارتكاز الاساسية له في الشرق، وادراكه للحاجة الدولية لاستقرار الاخير، وعلى رأسها أميركا التي تعتبره مطلبًا أميركيًا- أوروبيًا في ظل وجود مليون ونصف نازح سوري فيه وخطورة انفجار الوضع، بحيث ستحصل كوراث بحق هؤلاء النازحين الذين سيحاولون الانتقال الى اوروبا أو الولايات المتحدة الاميركية مما سيمثل عبئًا إضافيا على أميركا، كما ان هؤلاء النازحين بينهم عدد لابأس به من المسلحين الذين سيزيدون الامور خرابًا في الداخل، وفق ما جاء على لسان جنرال أميركي اثناء زيارة الوفد العسكري الاميركي الى بيروت العام الماضي.

الحبكة الروسية

لاشك في أن المؤشرات على تمكن اللاعب الروسي من اختلاس الورقة اللبنانية من جيوب “المطمئنين” بشكل نهائي ليست واضحة واكيدة حتى الساعة إلا أن مدلولات كثيرة تشير الى حبكة روسية للمشهد اللبناني يجري نسجها خلف ستار الازمة السورية، وهي تتقدم نحو مرتجاها على شكل مستتر، نلخص ابرزها بالنقاط التالية:

– وقوف “حزب الله” بعد حصر الاستحقاق الرئاسي بمرشحين من صفوف، موقف الذي حضّر درسه جيداً الاّ أنه لا يملك بطاقة الدخول الى الامتحان. فهو حتى الساعة لم يقدم على اقتناص فرصة الإتيان برئيس جمهورية من صفوفه مع ما يحققه ذلك له من ربح يتخطى حدود كرسي الرئاسي الى التمكن من تسجيل النقطة الاولى في سجل الانتصارات له وللمحور الايراني في المنطقة متجاوزًا خيوط التسوية السورية التي تحاك. ما يؤشر الى ان بطاقة الدخول الى الامتحان لم تنتقل بعد الى يد اللاعب الايراني وحليفه “حزب الله” وهي ما زالت في يد خياط التسوية الروسي وشريكه الاميركي.

– تاريخ علاقة “حزب الله” بسوريا زمن الرئيس الراحل حافظ الاسد، وفق ما كشف قيادي في “حزب الله” لصحيفة “الراي” الكويتية في العام 2013، بانها “لم تكن ودية”، لافتًا الى “ان “حزب الله” كان يعتبر أن عبد الحليم خدام وغازي كنعان عرابا السياسة السورية في لبنان وكانا مسؤولين عن تأليب الأسد على الحزب ووصفه بالمشاكس الذي يجب تأديبه وهو ما حاولا القيام به”، الا ان العلاقة اختلفت تمامًا في عهد بشار الابن، حيث صارت قوية متينة واستراتيجية وذات رؤية موحدة خاصة بعد العهود التي قطعها للحزب بانه “لن يبيع المقاومة”،”وحتى وان تغيرت الحال بين سوريا واسرائيل”. الامر الذي يشيرالى امكانية اعادة اللاعب الروسي النظر في طبيعة علاقة سورية بـ “حزب الله” من الزاوية التي تخدم مصالحه، أي العمل على استعادة النهج السابق الذي سار عليه حافظ الاسد في الثمانينات والتسعينات والذي شكل مدار اهتمام روسيا وفق ما اوضح الملحق الروسي الاسبق في سوريا فلاديمير فيودورف لاحدى المواقع الالكترونية العام 2015، حيث لم يكن حافظ الاسد حينها كوريثه بشار جزءًا لا يتجزأ من الاستراتيجية الايرانية، وانما سعى إلى خلق توزانات معينة مع ايران وغيرها من الدول بهدف تثبيت اقدامه في ملفات مختلفة في المنطقة ومنها الملف اللبناني.

– امتعاض روسي من الرئيس بشار الاسد لم تتردد صحفه من التعبير عنه مؤخرا مستخدمًا بحقه اقسى عبارات الاستحقار والازدراء الشديدين، معتبرًا اياه ليس سوى مجرد شخص يمثل نظامًا متهالكًا لم يكن ليستمر لولا دعم روسيا وايران، متسائلاً عن الساعة التي تقول فيها موسكو له :”كش”، مرفقاً ذلك بصورة “شطرنج عليها ملك منتصب وآخر ساقط على أرض الرقعة”، وفق ما جاء على قناة “روسيا اليوم” الرسمية في مطلع الشهر الجاري. مما يشير الى وضع متأرجح يمر به الاسد ومازالت فرضيات ازاحته واردة لاختيار شخصية اخرى ربما من اتباع نهج النظام السوري القديم ،حيث يذكر في هذا المجال ابان رحيل حافظ الاسد طرحت روسيا شخصيات لخلافة الاخير في حكم سورية كان من بينها العماد مصطفى طلاس وعبدالحليم خدام الا ان الخيار وقع حينها على بشار الاسد لعوامل عدة من بينها عامل العمر.

اذًا امام هذا المشهد ، يبدو ان كل ما يدور من حراك على خط الاستحقاق الرئاسي في لبنان ليس سوى “سؤال خاطر”، اما ما أشيع عن ارتفاع حظوظ الجنرال عون في الوصول الى كرسي الرئاسة بعدما جرى تسريبه من معلومات تشي بإمكانية ترشيح الرئيس سعد الحريري له، وما رافق ذلك من مروحة اتصالات كان قد اجراها الاخير لدى عودته الى بيروت، فهي تبقى رهن التمنيات. فالقارىء لواقع العلاقة التي ربطت تيار “المستقبل” بـ”التيار الوطني الحر” سابقًا وما مرت به من فتور وتوترات أوصلها “الابراء المستحيل”الى الحد الفاصل، ومواقف الجنرال عون من وثيقة الطائف وقانون الانتخاب والعلاقة مع “حزب السلاح” وسلاح المقاومة والعلاقة مع سوريا وغيرها من العناوين الاخرى، كل ذلك يجعل من فكرة الاقدام على هذه الخطوة أشبه بـ”العملية الانتحارية” لتيار “المستقبل” بشكل خاص، ولا سيما اذا لم يقابل هذا الترشيح بانتزاع ضمانات تتجاوز كرسي رئاسة الحكومة وتسمح بتغطية تلك العناوين بشكل تكون حجة مقنعة لجمهور المستقبل بعد سلسلة الخيبات التي مر بها على خلفية التنازلات السابقة التي قدمها لفريق 8 آذار والتي كان آخرها ترشيح الحريري للوزير سليمان فرنجية. هذا عدا عن رمي المملكة العربية السعودية الطابة الرئاسية في مرمى القوى الداخلية تاركة لهم حرية الخيار في ذلك، “قابضة” بركتها عن أي مرشح بما يوحي بعدم رضى سعودي عن اداء بعض القوى السياسية اللبنانية، حاشرة لهم امام فرصة أخيرة لاثبات قدرتهم على مواجهة ضغوط “حزب الله” وحلفائه في لبنان، وبالتالي قدرتهم على انتخاب رئيس جمهورية يراعي هواجس الراعي السعودي في المنطقة.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى