شؤون لبنانية

مافيات سياسية – اقتصادية تدير المنصات الإلكترونية.. ولبنان إلى “جهنّم” بخطى ثابتة هتاف دهام

لا شك ان انفجار الشارع امر كان متوقعا في ظل تدهور الاوضاع الاقتصادية والمالية، وانعدام القدرة الشرائية والازمة الاجتماعية والمعيشية، فانهيار سعر صرف الليرة في السوق الموازية مستمر على قدم وساق من دون اي حسيب او رقيب، والمنظومة السياسية ترمي التهم على بعضها البعض سواء من خلال تحميل حاكم مصرف لبنان رياض سلامة المسؤولية الحصرية عن مآل الانهيار من جهة ومن جهة اخرى الذهاب الى الظن ان ما يجري لا يتعدى الكباش بين بعبدا وبيت الوسط، حيث يظن العهد ان الرئيس المكلف سعد الحريري يستغل هذه المعضلة المتصلة بارتفاع سعر الدولار للضغط على الرئيس عون الذي لم يحرك ساكنا امام الواقع المالي، إنما اكتفى في الايام الماضية بطرح تساؤلات على سلامة عن اسباب انهيار سعر صرف الليرة ومطالبته بإحالة نتائج التحقيق إلى النيابة العامة ليصار إلى ملاحقة المتورّطين في حال ثبت وجود عمليّات مضاربة غير مشروعة على العملة الوطنيّة من جانب أفراد أو مؤسسات أو مصارف، علما ان الرئيس عون اسوة بالاسرة الحاكمة كلها من دون استئناء تعي جيدا انها المسؤولة اولا واخيرا عن غياب ضوابط انهيار سعر الصرف وتغطية الصرافين لغايات مصلحية.

ولذلك لا بد من القول بحسب الخبير المالي المحامي عيسى نحاس لـ “لبنان24” إن انخفاض قيمة العملة الوطنية في الأيام القليلة السابقة ليقفز سعر الدولار في السوق السوداء ويصل الى عتبة 11 الف ليرة للدولار الواحد يعود إلى أسباب منها ما هو مستجد ومنها ما هو قديم يتفاقم:

أولاً: إقفال عدد من مكاتب الصيرفة ومنها من ثبت أنه يوزع العملة الأجنبية على الصرافين لبيعها. فعمد هؤلاء إلى وقف ضخ العملات الأجنبية في السوق مما انعكس شحاً في العملات الأجنبية. ولا بد من الاشارة الى أن العملات الأجنبية الموجودة في السوق تعود إلى مصدرين رئيسيين: الأول العملات الأجنبية لدى الجمهور، والثاني مصادر غير منظورة تحوم حولها شبهات كبيرة كتبييض الأموال. فمع إقفال مكاتب صيرفة كبيرة تبين انها توزع الأموال على الصرافين وتضخ العملات الأجنبية بأعداد كبرى أي تلك المخصصة للمواد الغذائية وعمليات الاستيراد، لم يبق إلا مصدرا واحدا للعملات الأجنبية هو ما يحوزه الجمهور من هذه العملات.

 

وهكذا فان ادعاء النيابة العامة بجرم تبييض الأموال على صرافين من الفئة الأولى بدأ يضع اليد على الجرح، وهو تحكم كارتيل يستقدم كميات كبيرة من العملات الاجنبية بطريقة غير مشروعة. ولذلك فإن إقفال مكاتب الصيرفة المخالفة بالشمع الأحمر لم يعد يكفي بحد ذاته، يقول نحاس، لأن الأموال تبقى مخبأة وتسهم ساعة بساعة بتدني العملة الوطنية ، فيما المطلوب مصادرة الاموال غير المشروعة أو شراؤها من الصرافين مع إنشاء منصة للصيرفة تشرف عليها الدولة اللبنانية، وإلا فمع الإجراءات على محتكري المال ، ستنخفض قيمة العملة الوطنية. والمطلوب ملاحقة فعالة ومصادرة الأموال غير المشروعة وتفعيل تطبيق قانون مكافحة تبييض الأموال وتوقيف من يلزم ومحاكمته بسرعة قصوى حماية للنقد الوطني.

ثانياً: غير خافٍ الدور غير المدروس وغير العلمي لمصرف لبنان لإصداره تعميماً في هذا الظرف لزيادة المصارف احتياطها بالعملات الأجنبية ، وهذا ما ساهم في زيادة الطلب في السوق دون أي رقابة من القضاء المختص حيث لا يجوز للمصارف، بحسب نحاس، شراء العملات الأجنبية والمساهمة في شحها في السوق، بل إن الاحتياط يجب ان يكون مما هو متوافر لديها.

ثالثاً: انخفاض دخول العملات الأجنبية إلى لبنان بفعل الازمة السياسية المستحكمة وعدم وجود حكومة ما أفقد الثقة بلبنان كنظام اقتصادي سياسي، وتسبب بشلل القطاع المصرفي، وانعدام أي تحفيز اقتصادي لقيام مشاريع في لبنان، وأكثر من ذلك ضعفت التحويلات الخارجية من المغتربين إلى ذويهم.

رابعاً: الأزمة المالية الاقتصادية والصعوبة في الاستيراد مع ازدياد العجز في الميزان المالي والتجاري.

خامساً: عدم وجود آلية تحدد سعر صرف العملات نسبة إلى العملة الوطنية علماً ان قانون النقد والتسليف،كما يقول نحاس، يحيل الأمر إلى القانون. لكن العرف حددها بموجب النشرة الصادرة عن مصرف لبنان، لكن مصرف لبنان تنازل عن دوره إلى دكاكين الصيرفة وعلى رأسهم محتكري العملة الذين يتحكمون بالعمليات الاقتصادية والمالية. من هنا لا بد من صدور قانون ينهي هذه الحالة الشاذة ويوقف المخالفين ويصادر الأموال غير المشروعة وينشئ آلية علمية ومراقبة لمجلس مستقل يدير منصة لتبادل العملات تحدد على أساسها قيمة العملة الوطنية.

 

وسط ما تقدم أصوات كثيرة بدأت ترتفع وتُطالب بوقف المنصات الإلكترونية التي يعتبرها البعض مسؤولة عن التفلّت بسعر الصرف وتُستخدم كأداة لتنفيذ أجندات سياسية. من هؤلاء الباحث الاقتصادي البروفسور جاسم عجاقة الذي كان أول من رفع الصوت في تشرين الثاني من العام 2019 مُطالبًا السلطات بوقف هذه التطبيقات. إلا أن الأمر تطلّب أكثر من عام لكي يقوم المُدّعي العام التمييزي القاضي غسان عويدات بالطلب من الأجهزة الأمنية مُلاحقة المضاربين والمُتلاعبين بسعر صرف الدولار في السوق السوداء.

 

عجاقة وفي حديثه لموقع “لبنان 24” أشار إلى انه “بدون وقف هذه التطبيقات التي يتمّ إدارتها من الخارج، لا يُمكن السيطرة على سعر صرف الدولار في السوق السوداء”. وأضاف “يجب على كل سوق في النظرية المالية أن يتمتّع بميّزات تؤهّله ليُصبح سوقًا بالمعنى الحديث. وعلى رأس هذه الميّزات الشفافية أي معرفة تفاصيل العمليات (كمية الشراء والبيع والسعر لكلٍ منها) وهو أمر غير متوفّر في السوق السوداء. وبالتالي لا نعلم مدى مصداقية الأرقام التي يتمّ نشرها على التطبيقات إذا كانت تعكس الواقع على الأرض أو هي من نتاج خيال القيمين على هذه التطبيقات“.

 

ويُضيف عجاقة “في ظل غياب الرقابة وغياب دور حكومة تصريف الأعمال في إدارة شؤون البلاد، أصبح المضاربون يشعرون أنهم أعلى من القوانين ولا أحد يستطيع مُحاسبتهم. والأصعب أن هناك مافيات مُكوّنة من صرافين، وتجار، ومصرفيين يقومون – كلٌ بحسب مصالحه – بالمضاربة على الليرة ضاربين بعرض الحائط الأمن الاجتماعي للمواطن اللبناني“.

 

وأضاف “من هذا المُنطلق، وفي ظل تخلّي الحكومة عن مهامها، على الجيش اللبناني وضع اليدّ على القطاعات الحيوية التي تدخل في الأمن الاجتماعي للمواطن ومنها تجارة الأدوية والمواد الغذائية والمحروقات نظرًا إلى أن القانون يُعطي السلطات هذا الحقّ في حالة الطوارئ من دون مُصادرة ملكية هذه القطاعات، ولكن أيضًا نظرًا إلى أن هذه القطاعات الثلاث تُشكّل المقوّمات الأساسية للعيش“.

 

وعن توقعه لما قد يحصل في حال استمرّت الأمور على ما هي عليه، قال عجاقة “يجب معرفة أن لا سقف للدولار الأميركي في السوق السوداء لأن هذا السوق لا تحكمه أية قواعد علمية بل هو نتاج مافيات تُدير المنصات الإلكترونية وتُنفّذ على الأرض المُخطّطات ذات الطابع السياسي والمضاربة من باب الشق الاقتصادي. وبالتالي سيكون هناك ارتفاع أكثر وأكثر في الأسعار مما سيُشعل الشارع أكثر مما هو مُشتعل حاليًا خصوصًا أن العديد من المواد الغذائية ستُفقد من السوق في المُستقبل“.

 

وعن المعوقات التقنية التي تمنع وقف التطبيقات على الأجهزة الخليوية، يقول عجاقة “يُمكن للدولة اللبنانية الإستعانة بالخارج لطلب وقف هذه التطبيقات بحكم أن وجود هذه التطبيقات يُشكّل خطرا كيانيا على لبنان وسيكون للبنان ما يطلبه على الأكيد“.

إذًا ومما تقدّم نرى أن لبنان ذاهب إلى “جهنّم” بخطى ثابتة وأكيدة في ظل غياب السلطة المُستقيلة من دورها الرقابي وحتى الدستوري مع إنسداد الأفق لتشكيل حكومة قادرة على القيام بإصلاحات وإنقاذ اللبنانيين من الأزمات التي يعيشونها.

المصدر: لبنان 24

زر الذهاب إلى الأعلى