مقالات مختارة

هل تستمر ايران بتغليب المصلحة العليا على الرغبة بالانتقام؟ جعفر الأحمر

مع اقتراب الذكرى السنوية الأولى لاغتيال القائد السابق لفيلق القدس في الحرس الثوري الايراني قاسم سليماني ورفيق دربه ابي مهدي المهندس، وبعد نحو شهر على اغتيال العالم النووي الايراني فخري زاده في طهران، الذي يعتبر اب المشروع النووي الايراني، يرتفع منسوب التوتر في المنطقة مع الحشود الأميركية والتهديدات المتبادلة بين طهران وواشنطن.

فهل هذه مقدمات وارهاصات لحرب تجتاح المنطقة؟ أو هي رسائل يراد منها ردع الخصم عن طريق التهويل والتخويف؟

لا يمكن للمراقب ان يجزم بما يدور في أروقة السلطة في طهران أو واشنطن، والقرارات التي ستتخذهما العاصمتان. لكن يمكن الاستدلال ببعض المؤشرات ورصد المواقف والسياقات لكلا الطرفين.

أرجح ان  ان الهدف الرئيسي وراء الحشد العسكري الاميركي في الخليج ورسائل التهديد والوعيد والتهويل، التي توجهها الادارة الاميركية الى ايران في الآونة الأخيرة، هو ردع طهران وحلفائها عن القيام بأي عمل عسكري ضد القوات الاميركية او حلفائها، في هذه الفترة المتبقية من حكم  الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وليس للقيام بأي هجوم ابتداء.

والسبب الاساسي من وراء هذه الحملة الأميركية  هو الخشية من اطاحة طهران بالاستراتيجية التي اتبعتها ادارة ترامب (خصوصا مايك بومبيو وبرايان هوك وجاريد كوشنر) القائمة على فرض ما سمي بـ”حملة عقوبات قصوى” على ايران، بما في ذلك اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني والعالم النووي محسن فخري زاده، والتفجيرات التي استهدفت مواقع نووية ايرانية، من دون تبعات خطيرة على مصالح الولايات المتحدة أو اسرائيل.

وكان ترامب اجاز لأركان ادارته (بومبيو وهوك وكوشنر، فضلا عن اسرائيل) القيام بكل ما يستطيعون لايذاء ايران، شرط عدم جر امريكا الى حرب مع ايران، قد تبدأ محدودة وتتدحرج الى حرب كبرى.

ومن البديهي ان أي رد ايراني الآن على أهداف اميركية تتسبب بقتل أميركيين سيدفع حكماً واشنطن الى الرد، وقد يبدأ رداً محدوداً لكن يتوقع ان يتدحرج الى حرب كبرى، وهذا ما لا يريده ترامب، الذي سيتهم اركان ادارته بتوريطه في آخر ايام ادارته.

ولذلك كثف وزير الخارجية الاميركي بومبيو في الايام الماضية جهوده لدى حلفائه للتدخل لدى ايران لثنيها عن اي رد، لأن اي رد ايراني سيطيح بسياسته في ربع الساعة الاخير، وهي السياسة التي اعتمدها وكرّسها طيلة نحو ثلاثة اعوام، ومفادها الامساك الدائم بزمام المبادرة في مواجهة ايران، والقائمة على “ضغوط قصوى” بهدف جرها الى الخضوع للشروط الأميركية.

والشروط الأميركية تتمثل في أمر واحد: تغيير موقف ايران من العدو الاسرائيلي، ووقف دعمها لقوى المقاومة. والمراقب لحركة العامة لبومبيو يلاحظ انه وضع نصب عينيه منذ تعيينه وزيراً للخارجية في نيسان 2018، خلفا لريكس تيلرسون، الذي أقاله ترامب من منصبه في 13 مارس (آذار) من العام نفسه، هدفا رئيسياً، وهو مواجهة ايران والتحريض عليها.

وانضم الى بومبيو في هذه المهمة فريق عمل أبرزه بريان هوك وجاريد كوشنر، ولم يدخر هذا الفريق جهداً، وعمل بكل السبل لمحاصرة ايران، وتعزيز وضع اسرائيل. ووصلت هذه الجهود الأميركية  الى ذروتها قبل أشهر بحملة التطبيع لبعض الدول العربية مع تل ابيب عبر وسيلتي العصا والجزرة.

أما الحملة الأميركية على المشروع النووي الايراني والصواريخ البالستية فليست الا حجة تقدمها واشنطن تخفي خلفها الهدف الرئيسي وهو مواجهة الموقف الايراني المعادي لاسرائيل التي لم تجد في واشنطن حليفاً يتماهى مع طموحاتها أفضل من ترامب وفريقه السياسي. ولا يخالف ذلك الا جاحد أو جاهل.

لكن السؤال الثاني المهم: هل تستمر ايران في ضبط النفس والامتناع عن الرد المباشر على اغتيال فخري زادة وسليماني؟

البعض يتمنى ان تبادر ايران الى الرد ، وهؤلاء قسمان: الأول خصم لايران يعتقد ان الرد المباشر سيستتبع رداً أميركياً سيدمر ايران ويضعفها. وهؤلاء يصطفون في هذا الموقف مع العدو الاسرائيلي (وإن كان البعض لم يعد يعتبر ذلك عاراً).  والثاني حليف لايران يعتبر ان الرد المباشر له اثر معنوي قد يعوض عن بعض المرارة والألم الذي يشعر به الكثير من هذا الفريق جراء استمرار الضربات المتتالية المباشرة التي تعرضت لها ايران، من استهداف مواقع نووية واغتيال علماء وقادة (سليماني وفخري زادة) فضلاً عن قصف اسرائيلي متكرر لمواقع لها في سوريا.

لا بل ان البعض يأخذ على ايران مرونتها الزائدة في التعاطي مع قضية العقوبات الأميركية عليها، بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي، وتساهلها مع المواقف الاوروبية التي تعلن معارضتها للعقوبات الأميركية وتكتفي بدعوة طهران الى الاستمرار بالتزامها بالاتفاق، فيما انسحبت الشركات الاوروبية من السوق الايرانية التزاماً بالعقوبات الاميركية.

وعودة الى السؤال: هل ستقوم ايران برد مباشر؟

الجواب بعتمد على ثلاثة عوامل رئيسية: الارادة والقدرة والمصلحة.

المتابع للسياسة الايرانية يدرك ان لدى ايران الارادة والقدرة على الرد، رغم الفارق الواضح  في ميزان القوى لصالح الولايات المتحدة. لكن هل ترى ايران مصلحة في الرد المباشر؟

المتابع للسياسة الايرانية يدرك ان طهران مارست خلال فترة حكم دونالد ترامب سياسة “الصبر الاستراتيجي” في مواجهة انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي والعقوبات الأميركية في ما سمي “حملة الضغوط الكبرى”. واستمرت في هذه السياسة بعد انتخاب جو بايدن لرئاسة الولايات المتحدة أملاً  بفتح صفحة جديدة مع هذه الادارة وصولاً الى هدف إلغاء العقوبات. ولذلك، استمرت طهران في ممارسة ضبط النفس برغم الاستفزازات الاسرائيلية المتواصلة لجرها الى حرب في توقيت لا ترغب به.

مصدر ايراني مطلع أوضح الموقف الايراني بالتالي: “اغتيال العلماء والقادة وتفجير المواقع الحيوية بما فيها النووية، والقصف الاسرائيلي لمواقع في سوريا هو الرد وليس الفعل. هو رد على افعال ايرانية فحواها تثبيت اركان مشروع محور المقاومة، من لبنان الى سوريا والعراق واليمن وفلسطين فضلا عن ايران، في وجه المشروع الاميركي الاسرائيلي. ايران في حالة حرب مع الولايات المتحدة واسرائيل منذ عقود. القتل لا يكون فقط بواسطة الرصاص والمدفعية والصواريخ. العقوبات الأميركية منذ سنوات تقتل الشعب الايراني. هذه الحرب تخوضها ايران بصبر استراتيجي. المهم التركيز على الأهداف الرئيسية، وأبرزها: المحافظة على استقلال ايران، وطرد القوات الأميركية من المنطقة والالتزام بالقضية الفلسطينية. هذا ما يحصل، وايران تدفع تضحيات في سبيل ذلك”.

ويضيف المصدر ان “هذا لا يعني ان الرد المباشر لن يأتي. لكن ايران لا تتخذ قراراتها بانفعال رغم الألم. ايران تضع المصلحة العليا أولا، قبل الارادة والقدرة. ايران لا تريد الحرب لكنها على أعلى أهبة الاستعداد لها”.

خلاصة القول ان معضلة ايران تتمثل برغبتين متناقضتين: الاولى، رغبة بفتح صفحة جديدة مع الادارة الاميركية الجديدة لإلغاء العقوبات، والرغبة الثانية بالانتقام لقتل سليماني وفخري زادة وطرد الاميركيين من المنطقة.

فهل تستمر ايران في تغليب المصلحة العليا على الرغبة في الانتقام؟

هذا ما ستكشفه الأيام المقبلة.

  • كاتب لبناني

زر الذهاب إلى الأعلى