شؤون لبنانية

عروس البقاع تتربع على رأس قائمة الملوثين! سعدى علّوه

تتربع مدينة زحلة في السفح الأعلى من سلسلة جبال لبنان الغربية، التي تحضن سهل البقاع وفي قلبه الحوض الأعلى لليطاني، غير مبالية بما يحدث في السهل وعلى النهر.
لا يوحي منظر عروس البقاع التي يزين منازلها القرميد الأحمر ليتوّجها المدينة الأجمل بقاعاً، بما ترميه من ويلات إلى نهر الليطاني، ومعه كامل الحوض وناسه.
زحلة نفسها تذهب ضحية نهر البردوني آتياً من جارتها قاع الريم التي تمسكها من عنقها لترميها بالنفايات الصناعية لمعاملها وبمجارير الصرف الصحي المسلطة نحو البردوني. هناك تقوم زحلة بما عليها من تلويث للبردوني الذي يقال عنها إنها «هبته»، فتترك بدورها شبكة مياه الصرف الصحي لمنازلها مباشرة إلى النهر ومعها النفايات السائلة للمؤسسات الصناعية.
وعليه، يهدد البردوني الملوّث الذي يتحول صيفاً، ومع شبه الجفاف الذي يضرب منبعه والعيون الصغيرة التي ترفده، إلى مجرد بؤرة للمياه الآسنة وللنفايات الصناعية، يهدد كل المدينة وسكانها ومقاهي البردوني الشهيرة ومطاعمه التي تفوح منها الروائح ويلون الأخضر القاتم ما يجري فيه من مياه.
ليس هذا فقط، بل تحمل زحلة بما هي مركز قضائها الذي يعرف بـ «قضاء زحلة» عبء كل الملوثات الصناعية لنحو 85 مؤسسة ومعملا ومشفى ومسلخا في قضائها من رياق إلى بر الياس. مؤسسات ترمي بكامل نفاياتها الخطرة إلى الليطاني وفي حرمه، عدا المطاعم التي لا تعدّ ولا تحصى في طول القضاء وعرضه.
ومع الصناعات تذهب مياه الصرف الصحي المبتذلة لنحو أربعين بلدة وقرية، بما فيها زحلة المدينة إلى الليطاني مباشرة. وهكذا، وبالأرقام، يتربع قضاء عروس البقاع، بما فيه زحلة مركزه، على رأس قائمة الملوثين لليطاني والمؤثرين في حياة الناس الذين يشكل أهلها وأهل قضائها وسكانه نسبة كبيرة منهم. نحن نتحدث هنا عن نحو 300 ألف مواطن يستفيدون وحدهم من محطة تكرير المياه المبتذلة في زحلة، على سبيل المثال لا الحصر.
ينفض رئيس بلدية زحلة أسعد زغيب يديه من أي مسؤولية للبلدية على ما تتسبب به مدينته من ملوثات. لا بل ينطلق من كون زحلة هي ضحية ملوثات قاع الريم ونفاياتها السائلة الذاهبة إلى البردوني، بالدرجة الأولى، ومعها تضارب الصلاحيات في إدارة الملفات المتعلقة بالتلوث في حوض الليطاني الجاري في نطاقها الجغرافي.
يقول زغيب إن استكمال وتشغيل محطة الصرف الصحي هي من صلاحية مؤسسة مياه البقاع، أي وزارة المياه والطاقة، «وليس البلدية، فماذا يمكننا أن نفعل؟».
ويعود رئيس بلدية زحلة إلى النفايات الصناعية ليقول إن بلديته مسؤولة عن منح تراخيص إنشاء مباني المصانع والمعامل، أما منحها «رخص التشغيل والإنشاء كمصانع ومراقبة مطابقتها للمواصفات، سواء على صعيد النفايات الصناعية أو عدم إلحاق الضرر بالمواطنين، فذلك من مهام وزارات الصناعة والصحة والبيئة».
وبالإضافة إلى مجارير القرى والبلدات وزحلة المدينة ومكبات النفايات الصلبة التي يوجد بعضها على النهر مباشرة، يتوزع في قضاء زحلة عشرات مخيمات اللاجئين السوريين التي أنشئ العديد منها على ضفة الليطاني. ويجد هؤلاء، من ساكني الخيم غير المطابقة لمواصفات العيش البشري، يجدون أنفسهم ضحايا العيش على النهر الملوث من جهة، واتهامهم بتلويث الليطاني من جهة ثانية. يقول البعض إنهم يرمون النفايات الصادرة عن مخيماتهم إلى المجرى القريب مباشرة مع الجور الصحية لتلك المراحيض المؤقتة التي أنشئت لهم بين الخيم. وعندما تتوقف مؤسسات الأمم المتحدة عن دفع المال لجمع نفايات المخيمات، يحاصر اللاجئون بجبال النفايات على مداخل مخيماتهم، وما ينتج منها من أمراض وقوارض وروائح وضرر بيئي وصحي كبير.
يعتبر أبو جوزف الزمار، ابن الفرزل التي تعلو الطريق الدولية في البقاع، أن بلدته وناسها محظوظون لأنها بعيدة نسبياً عن مجرى الليطاني. محظوظة هنا، يفسرها الزمار بالقول «يعني تصلنا الروائح خفيفة». تترك الفرزل بدورها مياهها الآسنة إلى النهر أيضاً من غير معالجة حيث يذهب جزء منها إلى محطة التكرير الخاصة بالبلدة، وجزء أخر إلى محطة تكرير زحلة التي لم تشتغل بعد.
لكن الفرزل ليست محظوظة في خسائر أهلها الزراعية. يقع سهل الفرزل ومعه سهل زحلة على الليطاني مباشرة وتحديداً بعد منطقتي تل عمارة وأبلح. هناك يسير النهر مثقلاً بالملوثات الآتية من مجاري المياه الآسنة والنفايات الصناعية للقرى والبلدات من بريتال إلى أبلح ومن ثم تنضم إليها ملوثات الفرزل وزحلة. لا أحد يثق بأي منتج زراعي لا يتثبت ريه من الآبار الجوفية التي تخرج بدورها ملوثة من جوف الأرض بسبب تلوث تربة الحوض بكامله.
وهناك على كامل مجرى النهر تبدو مضخات المياه الآسنة ومعها النفايات الصناعية وتمديداتها واضحة للعيان. وكلما كان اخضرار المزروعات متوهجاً كلما ثبت أنها مروية بالمياه الملوثة وفق الزمار: «بس تلاقي المزروعات شديدة النضارة وثمارها كبيرة، يعني في مية مجارير»، يقول.
في سهل الفرزل وزحلة لا يوجد سوى ضيعة صغيرة هي عبارة عن نحو 150 بيتا لعرب الجرميشة الذين يعملون في الأرض كشركاء ووكلاء ومياومين وسائقين منذ العام 1960، كما يقول أبو محمود، أحد رجالها المسنين.
يحكي أبو محمود عن علاقة أهل الجرميشة مع النهر فيما تتحرك يداه طوال الوقت لرد الذباب الغزير الذي يعيش معهم بسبب بيئة النهر برغم بعد منازلهم عنه نحو خمسين إلى مئة متر. «يمرض أولادنا من روائح مياه المجارير والنفايات الصناعية، أما عندما يحرق «معمل تنمية» مخلفاته وبقايا الدجاج على النهر مباشرة فلا نتمكن من الخروج من منازلنا ونوصد أبوابنا ونحبس أطفالنا في الداخل».
لم يعد أحد من سكان الجرميشة يقصد النهر بعدما كانوا يستحمون فيه ويعيشون منه ويصطادون سمكه «صار يقتلنا اليوم». يرسلون أولادهم إلى مدارس المنطقة إن استطاعوا إلى ذلك سبيلا «نحن لبنانيون بالهوية فقط، ولا نعتقد أن الدولة تعرف أننا موجودون أو تعترف بنا»، يقول الرجل الذي مات قريبه قبل أيام بمرض السرطان. السرطان الذي يحصد أرواحهم كما غيرهم من أهل الحوض.
على طول مجرى الليطاني في سهل زحلة ينتشر العمال والعاملات من الجنسية السورية في الحقول المزروعة على مد العين والنظر. آلاف الدونمات التي يدّعي أصحابها جميعا أنهم يروونها من الآبار لا من النهر. كلام لا ينسجم مع تلك المضخات التي تنتشر بكثافة على طول مجرى الليطاني وعلى الحــــفر التي يجمـعون فيها المياه الآسنة لضخها إلى المزروعات.
ليس هذا فقط. بل يبدو مشهد العمال الذين كانوا يغسلون ورقيات السهل (خس وبقدونس ونعنع وغيرها) بمياه متسخة بنية اللون بعدما بدا شكلها غير مشجع على شرائها إثر قطافها من الحقول. «تلوث على تلوث» يقول أحد العمال الذي كان بعيدا عن صاحب الأرض والمشرف على عملهم. خضار لا يستهلكها أهل البقاع وحدهم بل يشاركهم فيها كل لبنان. من يعرف منا من أين تأتي الخضار التي يشتريها؟

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى