شؤون لبنانية

التريث وقصة القاموس اللبناني الذي لا ينضب احمد الزعبي

خلال الأسبوعين الماضيين تصدرت أحداث عالمية وإقليمية مهمة المشهد الإعلامي؛ من مئوية بلفور، إلى صواريخ كوريا الشمالية، فتطورات الأزمة السورية، والزيارة الاستثنائية للبابا فرنسيس إلى بورما تذكيراً بحقوق أقلية “الروهينغا” المسلمة، وصولاً إلى مجزرة المصلين في سيناء بحق 300 إنسان وهم ركّع سجود. أما في لبنان فتصدرت أخبار الأزمة الحكومية التي يمكن القول بسهولة إن عمرها مائة عام قابلة للتجديد أو التمديد لمائة عام أخرى.

الأزمة الحكومية المزمنة لم تتقدم في الاهتمام على أحداث عالمية كبرى فحسب، بل حجبت الضوء، لحسن حظّ البعض، عن أمور داخلية كثيرة وضرورية ليتركز الاهتمام كله على مصير “الاستقالة المعلقة”. فهنا في هذا لبلد تحشر الأمور دوماً بين حدّي التجاهل أو التسخيف، والقريحة اللبنانية التي أنتجت قاموساً سياسياً فريداً حاضرة دائماً ولها تاريخ طويل من التذاكي والليونة والمطّ وتجاوز النصوص أو اللعب عليها بما يجعل من دساتير دول العالم أجمع تموت قهراً.

في جديد القاموس السياسي اللبناني مصطلح: التريث والاحتفاظ بالاستقالة.. وهذا لا يعني استقالة بالمعنى الدستوري توجب خطوات دستورية تالية تؤمن انتظام الحياة الوطنية، ولا هي اعتكاف يرتب أيضاً معالجات من نوع معين.

في المعجم السياسي اللبناني الثري، مفردات تتصل بالشأن الوطني العام دأبَ اللبنانيون على سماعها من زمن بعيد لكن من دون أن يلمسوا نتائجها، كالعيش المشترك، والسلم الأهلي، والمصلحة الوطنية، والوفاق الوطني، والإنماء المتوازن.. لكن المفارقة أنها جميعاً وبعد 74 سنة على الاستقلال ما استطاعت بناء وطن منجز السيادة، كامل المواطنة، يحترم الحريات ويكافح الفساد…

وفي المعجم السياسي اللبناني أيضاً مفردات تعكس حب التحايل على النصّ الدستوري، لكن بتواطؤ مدروس؛ كتدوير الزوايا، التسوية، الترويكا، المحاصصة، شرعي وضروري ومؤقت، ولمرة واحدة فقط، أما الحجة فحاضرة وجاهزة ضماناً لـ “المصلحة الوطنية”.

وفي المعجم أيضاً وأيضاً مفردات تعكس نوايا طيبة، وإرادة صادقة بجسر التباينات وصون البلد على طريقة لعلّ وعسى تجد آذاناً صاغية، لكنها لا تشكل دواء ناجعاً أو وصفة ملزمة، كـ: النأي بالنفس والوسطية.

أغلب الظنّ أن الشعب اللبناني المتعب من قاموس سياسييه يريد انتظاماً مؤسساتياً وحياة وطنية لا تقوم على “الزعيم القوي” و”المسؤول الأوحد” و”الحزب الحديدي”، ولا يريد مزيداً من الليونة اللفظية ومن الثنائيات والثلاثيات والرباعيات التي لا تهدف إلا إلى التحايل على الأزمات، وعلى الداخل والخارج.. لسان حال الشعب يردد “مرتا مرتا.. المطلوب شيء واحد” دولة تحترم دستورها وشعبها ومحيطها ومصالحها.

في “كليلة ودمنة” أن سارقاً تواطأ مع خادم لسرقة منزل مخدومه، وأثناء تجواله في الدار بحثاً عمًا جاء يسرقه.. جاءه الخادم صارخاً قد حضر صاحب الدار فأسرع بالهرب من الشباك الذي تحتهُ جُبٌّ.. فرّ السارق ثم عاد بعد برهة مخاصماً الخادم بأني وجدتُ الشباكَ لكني لم أجد الجُبّ؟؟!! وعبثاً حاول الخادم إفهام السارق الغارق بالجدل معه، بضرورة الهرب إلى أن وصل صاحب المنزل.. وكان ما كان. القضية ليست مفردات وكلمات بقدر ما هي مصائر أمة ووطن.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى