مقالات مختارة

نواب البرلمان اللبناني في إجازة حتى إشعار آخر

في 14 تشرين الثاني 1949، وداخل مجلس النواب، وقف كميل شمعون، يوم كان وزيرا في حكومة الرئيس رياض الصلح، وشن هجوما عنيفا على الحكومة، وسط انتقادات لاذعة لشرعية المجلس. يومذاك كان شمعون من ابرز المعارضين لحكومة الصلح، فما كان من الاخير الا ان وقف ليجيبه قائلا: “انا لا افهم هذا الهجوم ممن يأتي ويقبض معاشه كل شهر. هو يعدد اياما ويقبض راتباً”. فسكت شمعون.

هذه الرواية المثبتة في المحضر، تنسحب مئة في المئة على واقعنا المأزوم، وتحديدا على واقع السلطة الاشتراعية منذ اكثر من عام.
ربما صحيح ان الشلل يصيب كل المؤسسات، وليس فقط مجلس النواب. وصحيح ايضا ان العامل الامني قد يكون مؤثراً، او سببا مباشرا، في عدم حضور النواب الى ساحة النجمة. ولكن هل يعقل الا يعقد المجلس، الممدد لنفسه منذ 31 ايار الفائت، جلسة عامة واحدة، فيما اكتفى فقط خلال العام 2013 باقرار قانونين فقط، يسمحان للنواب بالاستمرار في عملهم، عبر التمديد للمجلس اولا، ومن ثم التمديد لهيئة المكتب واللجان النيابية؟
والسؤال، أليس هناك من اجراء او ضابط ما، يمنع التمادي في هذا الفراغ؟ لا سيما ان ثمة لائحة من اقتراحات القوانين والمشاريع تنتظر على جدول اعمال الجلسة العامة، وهي، في معظمها، قوانين تلامس حياة المواطنين، مثل تمديد اجازة الامومة، قانون الايجارات، وقانون السير وسلسلة الرتب والرواتب وغيرها…

إذاً، ليس هناك اي اجراء يمكن ان يتخذ. واللافت ايضا ان المواد التي وضعت في النظام الداخلي للمجلس بقيت بلا اي قيود صارمة، اذ اكتفى النظام الداخلي بالاشارة الى ان اي نائب يتغيب ثلاث مرات متتالية عن جلسات اللجان النيابية، من دون عذر، يتلقى تنبيها من رئيس المجلس.

هذا الامر لم يحصل مرة واحدة، على الرغم من “تمادي” غير نائب في هذا الغياب غير المبرر.

وفي النظام الداخلي عينه، ليس هناك من “تدبير زاجر” بحق النواب الذين لا يشاركون في الجلسات، أو ممن يتغيبون باستمرار عن الحضور الى ساحة النجمة. وهذا ما برر الاستمرار في الغياب، وكانت النتيجة، ان المجلس لا يعمل منذ ما يزيد عن السبعة اشهر، باستثناء بعض اللجان، كلجنتي الادارة والاشغال وفرعية قانون الانتخاب وفرعية سلسلة الرتب.

والغريب ايضا ان ما من اجراء يتخذ لخفض رواتب النواب، ما داموا لا يعملون، كما لو انهم في اجازة طويلة الامد، ومدفوعة.

إذا كان كل هذا الكلام صحيحاً، فإنه من غير المبرر، هذا الشلل التام داخل مجلس النواب. واذا كان تحريك الملف الحكومي سيعيد الحركة الى ساحة النجمة، أولا عبر اطلاق جلسات الثقة، وبعدها عبر انعقاد الهيئة العامة بعدما تكون قد انتفت “الاسباب السياسية الحالية” لعدم انعقادها، فإن ثمة تواريخ لا بد من التوقف عندها، وهي بدورها ستقيّد عمل المجلس.
بعد 25 آذار المقبل، يتحول مجلس النواب مجلسا لا يحق له التشريع، بعدما يصبح هيئة ناخبة فقط حتى 25 أيار المقبل، تاريخ موعد الانتخابات الرئاسية.

هذه المعادلة تعني، انه حتى لو تشكلت الحكومة هذا الشهر ونالت الثقة، فليس امام المجلس سوى شهر واحد للعمل التشريعي، بعد اكثر من عام من التعطيل. وهذا يعني ايضا ان قوانين كثيرة ستبقى مجمدة في ادراج المجلس.
واذا كان يمكن احصاء عدد القوانين المجمدة فإن “النهار” اختارت ان ترصد عددا منها يلامس حياة المواطنين ومعيشتهم، وينتظر اقراره داخل الهيئة العامة. ومن ابرز هذه القوانين: تمديد اجازة الامومة، قانون اعطاء المرأة حق ضمان زوجها، قانون ضمان الشيخوخة، قانون السير الجديد، قانون الايجارات، قانون اعطاء المرأة حق منح الجنسية لأولادها، قانون مكافحة العنف ضد النساء… اي ان هذه الاقتراحات هي ضحية عدم انعقاد الهيئة العامة.

وفي النتيجة، اللبنانيون هم من يعانون المماطلة في العمل، او بالاحرى عدم قيام النواب بواجباتهم، لا سيما عبر هذه “العينة” من الاقتراحات والمشاريع التي لا تزال مجمدة. فلا نائب او مسؤول يستعجل مثلا اقرار ضمان الشيخوخة، او تمديد اجازة الامومة، او حتى اعطاء المرأة اللبنانية حقها في منح اولادها الجنسية.

واذا كان الانقسام السياسي يحول حتى الآن دون انعقاد الهيئة العامة، واذا كان التأزم الاقليمي ينعكس شللا داخليا وانكشافا امنيا وجمودا سياسيا، فإن المؤكد الوحيد حتى الآن هو ان لبنان لا يزال عالقا في عنق الزجاجة، الى اجل غير مسمى.

فهل ستكون السنة 2014 كحال ما سبقها: اي الكثير من الفراغ والفشل؟ اذ ان من يراجع اوراق جداول مجلس النواب خلال ولايته الاخيرة، من الـ2009 الى 2013، يدرك حجم “اللانشاط”. انها فقط 170 قانونا اقرت خلال تلك الفترة، وقانونان فقط خلال العام 2013.

باختصار، النواب عندنا يعدون الايام ويقبضون الرواتب، من دون اي عمل او جهد!

منال شعيا – النهار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى