“كسارة” تقضم 100ألف متر من جبل أبو ميزان والدولة نائمة نهلا ناصر الدين

في الوقت الذي عادت فيه النفايات إلى الشوارع بسبب عجز الدولة عن تأمين مواقع للفرز والمعالجة في المتن وكسروان، وعايشت الأكياس نفسها يوميات المواطن اللبناني من صيف الـ2015 إلى ربيع الـ2016 للسبب عينه وهو عجز “ديوك الطوائف” عن إيجاد مواقع جغرافية في مناطقهم لاستقطاب النفايات وفرزها ومعالجتها، ولم يطل القضاء اللبناني شركة سوكلين في قضية المعالجة التي كانت تتقاضى عليها 55 مليون دولار سنوياً بدل (كلفة معالجة) لم تكن موجودة في الأصل على مدى 20 سنة، لعدم تأمين الدولة اللبنانية لها أرض بمساحة 60 ألف متر للمعالجة، نجد مئات آلاف الأمتار من الأراضي تتأمّن بين ليلة وضحاها في المتن وكسروان وغيرها من المناطق لأصحاب المقالع والكسارات بتراخيص “ملغومة” لتقضم جرافاتها “آناء الليل وأطراف النهار” جبال لبنان وتدمر ما تبقى من طبيعة كانت في يوم من الأيام متميزة.

يُظهر تقرير الكشف الميداني الذي قامت به وزارة الزراعة على الكسارات في منطقة أبو ميزان – المتن، بعد الطلب من مركز أحراج المتن أن هناك ثلاثة مواقع في أبو ميزان – المتن :
“الموقع الأول كسارة متوقفة عن العمل منذ العام 1996 وتخص هيكل الخازن ولا وجود لأي شخص فيها.
الموقع الثاني يخص جان وغابي القاعي (إيجار من دير مار الياس – شويا). توجد رخصة لشركة مصانع الباطون الجاهز- قرار 4585 مع صورة مرفقة، ويوجد ترخيص باستثمار كسارة صغيرة لزوم معمل أحجار الباطون – قرار رقم 581 2014، مع صورة مرفقة.
الموقع الثالث باسم رامي بو صعب، أفاد والده بأنه يوجد لديه ترخيص معمل أحجار باطون في الموقع وقد طلب من ابنه أن يرسل صورة عن الترخيص لنا لاحقاً (لديه كميات من البحص تلزم تصنيع أحجار الباطون وذكر بأنه يجلبها من خارج الموقع) مرفق بصورة”.

خلافاً للقانون
وتجدر الإشارة إلى أن الصور المرفقة تُظهر للعين المجردة بأن الرخص المذكورة مأخوذة بطرق ملتوية، حيث إن الرخص معطاة لمصانع الباطون الجاهزة ومعمل أحجار الباطون في الموقع الثاني والثالث، وليس لمقالع، أي بمعنى آخر أن هذه المصانع بدلاً من جلب (الستوكات) الصخور التي تنتج عن البناء في بعض الأماكن وتكسيرها في هذه المواقع تقوم بقضم الصخور من الموقع المستأجر. ما يدل على أن هذه المصانع ليست كسارات باطون كما تقول الرخص الممنوحة لها بل تعمل خلافاً للقانون كمقالع تقوم بتكسير الجبل.

استراتيجية تمويه
ويستمر العمل في الموقع الثاني منذ العام 1999 ، وتظهر الصور الجوية للموقع حجم المساحة المتضررة والتي تفوق الـ100 ألف متر من الجبل (كما احتسبها حزب الخضر اللبناني بواسطة google ) ويمكن رؤية حجم الضرر بالعين المجردة من منطقة زبوغا المطلة على الموقع، علماً أن من يمر بالسيارة عبر طريق بكفيا حملايا وصولاً إلى زبوغا لا يمكنه رؤية الضرر إلا إذا ترجّل من سيارته وأطل من زبوغا إلى الجبل المجاور، لأن صاحب المقلع يتبع استراتيجية تمويه ذكية، بحيث أنه ترك جزءاً من الجبل (لناحية الطريق) محافظاً على اخضراره، أما الشاحنات التي تحمل نتاج ومخلفات المقلع فلا تسير إلا ليلاً. وتؤكد مصادر مطلعة أن “المقلع يعمل بغطاء سياسي من جميع الأحزاب والفاعليات السياسية المتنية”، ما يجعل تدميره للطبيعة وإلحاق الضرر بالمناطق المجاورة أمرا واقعا وشرا لا بد منه في ظل “تطنيش” الوزارات المعنية، رغم كم الشكاوى المقدمة في وزارة البيئة ضد أصحاب المقلع. ويؤكد المصدر بأن أهالي المناطق المتضررة يخشون الحديث عن الموضوع لأن “كل من يقوم بتسليط الضوء على المقلع تصله رسائل تهديد شخصية من أصحاب المقلع”.

استثمار غير شرعي
ولحزب الخضر اللبناني ملاحظاته حول هذا الموضوع، حيث يمنع ترخيص مقالع وكسارات في منطقة ابو ميزان منذ التسعينيات، وذلك نظرا لضررها على البيئة المحيطة ولقرب المناطق السكنية منها ولوجودها جنب المجرى المؤدي الى نهر الكلب. بينما يستأجر السيد جان القاعي أرضاً من دير مار الياس شويا ويقوم باستثمارها بطريقة غير شرعية كمقلع تحت غطاء رخصة مجبل باطون وبدعم سياسي متنوع وعالي الشأن. وتوضح الصور الجوية والصور الفوتوغرافية أن العمل في المقلع المذكور لا يتوقف ليلا ونهارا أقله خلال الخمس عشرة سنة الماضية، وإن أي زيارة ميدانية خصوصاً خلال ساعات الليل تكشف العمل في المقلع لا سيما إذا تمت مراقبته من قرية كفرعقاب المتنية، علماً أن حركة الشاحنات خلال ساعات الليل دليل آخر لنقل ناتج المقلع وتبرهن حجم العمل الضخم داخله. وكل هذه الأعمال تضر بالبيئة إذ لا يتم مراعاة أي شروط بيئية وطبيعية، عدا عن أنها تضر بالمواطنين، وكل ذلك تحت أنظار القوى الأمنية والوزارات المعنية والبلديات والمخاتير في القرى المجاورة، وبرعاية الأحزاب المسيطرة.

تعتيم ممنهج
وتعيد رئيسة حزب الخضر اللبناني ندى زعرور التعتيم الممنهج على هذه الكسارة التي تشكل خطراً على طبيعة لبنان وتهدد صحة المواطنين في القرى المجاورة إلى أن “البعض لا يجرؤ على الكلام في الموضوع كونه له حصته من الأرباح، والبعض الآخر يخاف من تهديدات صاحب المشروع، وللاسف هنالك من لا يبالي أو لا يثق بأنه يستطيع التغيير”. وتؤكد زعرور في حديثها لـ”البلد” بأن المناطق المجاورة (دارشمرا، زبوغا، كفرعقاب، عين التفاحة، الخ…) بدأت ترزح مؤخراً تحت عبء الصناعات الملوثة وغير النظامية وقد نصل لأن نعتبرها منطقة منكوبة قريباً، بينما يستمر الاستهتار بحياة الناس والاستنسابية بالتعاطي واللامسؤولية من المسؤولين منذ سنوات في هذا الموقع وفي مواقع أخرى شبيهة لا تقل خطورة مثل مجدل ترشيش ، ولاسا وكسروان وغيرها من الكسارات والمقالع التي تعمل برخص معامل تكسير باطون وتقضم ما تبقى من طبيعة لبنان وصخوره على اختلاف أنواعها وأهميتها.

طبيعة تحتضر
بين مقلعٍ وآخر وطبيعة تحتضر ومعنيين غائبين عن السمع، تبقى المعلومات الواردة في التحقيق بمثابة إخبار للوزارات المعنية، وعلى رأسها وزارة الصناعة، وزارة البيئة والمجلس الوطني للمقالع والكسارات الذي يحظّر عمل المقالع في لبنان لضررها على البيئة. أما الأحزاب السياسية المتنية فهي مطالبة برفع الغطاء عن هذه المواقع، أو أقلها استنكار هذه الجرائم البيئية ولو لفظياً، لتزيح عن نفسها تهمة تغطية هكذا أعمال.
ويبقى السؤال: “هل تعرف الرهبنة بما يحصل ضمن نطاق أراضيها؟”، في ذمة (دير مار الياس – شويا)… أما مصير الجبل في منطقة أبو ميزان – المتن فيبقى برسم كل من سبق ذكرهم، ويبقى ما تبقى من مصيره برسم الأيام المقبلة وجدية تعاطي المعنيين مع القضية…!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .