اخبار مهمة

متاهة النازحين.. التوطين آخر الهموم احمد الزعبي

لا يكاد يمر يومٌ إلاّ ويطرح طرفٌ من الأطراف السياسية في لبنان مسألة النازحين السوريين، تارة من زاوية ضرورة عودتهم السريعة إلى بلادهم، وأخرى من باب رفض التوطين، أو من باب الرفض المبدئي لأي تواصل مع النظام السوري كمدخل لإعادة النازحين. وما زاد من احتدام الموقف الكلام المنسوب للرئيس الأميركي دونالد ترامب حول اندماج النازحين في أماكن وجودهم، والذي سرعان ما تبين أنه غير دقيق. فالرئيس الأميركي تحدث عن اللاجئين السوريين، فشكر تركيا والأردن ولبنان على استقبالهم، وذكر الإسهام الأميركي في المساعدة، ودعا إلى مراعاة الشروط الإنسانية، تمهيداً لإعادتهم إلى بلادهم بسرعة عندما تتحسن الظروف الأمنية والسياسية.

والمؤكد أن ثمة مؤشرات سلبية متقاطعة بدأت تتراكم وهي ذات صلة بهذا الملف بشقه الاقتصادي والاجتماعي والانساني، وليس السياسي، فكل المؤشرات تَشي بانخفاض مساهمات الدول في خطة مساعدة النازحين، مع غياب للرؤية الدولية تجاه هذا الموضوع في العام 2018. لكن ما يجري في لبنان يضع الملف – كغيره من الملفات الأساسية والكبرى – بين حدّي التفجير أو التهميش، من دون اجتراح سياسات وسطية تقارب هذه الأزمة الخطيرة جداً بواقعية ووفق مصالح البلد.

تقول وجهة النظر الأولى إن على لبنان أن يتحرك بسرعة لمعالجة ملف النزوح الذي فاق قدرة البلد واللبنانيين، والبدء بإجراءات لتقليص أعدادهم، خصوصاً بعد استقرار الوضع في معظم أماكن سكنهم الأولى، مع التشديد على “العودة الآمنة” وليس “العودة الطوعية”.

في المقابل، ترى وجهة النظر الأخرى أن لا فائدة من تقديم اعتراف مستجد للنظام في سوريا، لاعتبارات أخلاقية أولاً، ففي سوريا سقط حوالى المليون قتيل، وهناك أكثر من عشرة ملايين مهجر، وهناك أيضاً الاعتبارات السياسية، فالجامعة العربية علقت عضوية النظام السوري منذ العام 2012، والمفوضيات الدولية تحاول تحويل النظام إلى المحكمة الجنائية الدولية بسبب جرائم الحرب التي ارتكبها. والمجتمع الدولي- باستثناء الروس والإيرانيين- لا يريدون التعامل مع النظام السوري إلا بعد انفاذ القرار 2254 بشأن الانتقال السياسي. ثم إنّه لا أمل على الإطلاق في إمكان عودة اللاجئين بالتفاوض ما دام النظام ما دخل في الحل السياسي بعد!

والواقع أن مقاربة ملف النازحين من باب رفض التوطين هو أكثر العناوين استثارة للغرائز والعداء والعنصرية، سواء أكان الهدف من هذا الموقف الرغبة بتطبيع العلاقات مع النظام السوري أو السعي لنيل مصالح انتخابية وسياسية داخلية، ذلك أن من يعرف طبيعة لبنان وتركيبة نظامه يدرك استحالة هذا الأمر، ونقطة على السطر.

أما الحاجة إلى خطوات وإجراءات وخطط تمهّد لعودة النازحين إلى سوريا فأمر أكثر من ضروري، لكل الاسباب والموجبات التي ذكرت، ولأن هذا الملف – دون منازع – من أكثر الملفات الضاغطة اجتماعياً واقتصادياً وتربوياً وبيئياً وحياتياً وأمنياً، ولطالما شكّل مدخلاً لأعمال ومكاسب مشبوهة وخارجة عن جوهر استضافة الهاربين من هول الحرب.

الغريب أن موضوع النازحين لا تتم مقاربته إلا من باب التهويل بتغيير ديموغرافي أو تحت عناوين الإرهاب، وهي هواجس لا يمكن الاعتراض عليها، لكن لماذا لم ينتهج لبنان، أسوة بدول الجوار السوري، منذ بداية الحرب السورية سياسات وطنية عامة تحقق مصالحه أولاً، وتلبي احتياجات النازحين، بشكل يوازن بين تحقيق مكاسب للاقتصاد الوطني، ويؤمن استمرار وجود هؤلاء إلى حين عودتهم.

كيف نشأت فجأة، وطفت على سطح سوق العمل، آلاف المؤسسات التجارية، ودخل عشرات الآلاف من السوريين في قطاعات لا يجيز قانون العمل لهم الانخراط فيها، لماذا لا تتم ملاحقة قضايا عمالة الأطفال وجرائم تجارة الأعضاء، وفوضى وفضائح الجمعيات الإغاثية المتذرعة بمآسي النازحين لتحقيق ثروات وتسهيل أعمال مشبوهة؟!

ملف النازحين خطير، وخطير جداً، واستمرار سياسات دفن الرأس بالشعارات السياسية والحسابات الانتخابية لن يحقق للبنان وشعبه أي مصلحة، وآن الأوان لوضع خطة متكاملة تحقق عودة آمنة لهؤلاء المظلومين، لكن قبل أن تتحول غالبية الشعب في لبنان إلى نازحين وعاطلين عن العمل في بلدهم.

احمد الزعبيمدير تحرير “لبنان 24”

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى